سيكولوجيا العمل.. لماذا يعد الموظف "الأكثر موثوقية" هو الأقرب لـ "الانهيار الصامت"؟
أربيل (كوردستان24)- في كل بيئة عمل، يبرز ذلك الشخص الذي يوصف بـ "المنقذ" أو "الأكثر موثوقية"؛ هو الذي لا يرفض طلباً، يغطي النقص، ويبقى حتى انطفاء آخر ضوء في المكتب. وبينما يغدق عليه المديرون أوصافاً مثل "الرجل الصلب" أو "الموظف الذي لا يُعوض"، يرى علم النفس وراء هذا القناع "كفاءة هشّة" تمهد لطريق الانهيار الصامت.
فخ الهوية المهنية
تشير تقارير مختصة بالأعمال والصحة النفسية إلى أن الاعتماد المفرط على الآخرين يتحول لدى هؤلاء الموظفين من مجرد "دور وظيفي" إلى ركيزة أساسية لمفهوم الذات. فعندما يصبح العمل هو المصدر الوحيد للقيمة الشخصية، يشعر الموظف بـ "فراغ مرعب" في غياب المشاكل اليومية أو المواعيد النهائية، ليبدأ في طرح سؤال داخلي مؤلم: "هل لي قيمة اليوم إذا لم أكن مفيداً؟".
الجذور.. "منطق طفولي" كامن
يرى خبراء علم النفس أن هذا النمط غالباً ما يُكتسب في سن مبكرة. فالطفل الذي نشأ في بيئة يتعين عليه فيها أن يكون "مفيداً" ليحصل على الاهتمام، يكبر وهو يعتبر احتياجاته الخاصة "عبئاً". هذا النوع من "التحميل المبكر للمسؤوليات" يخلق شخصاً يرى أن كونه نافعاً أهم من كونه محبوباً، وهي معادلة تستمر معه حتى بلوغه ذروة مسيرته المهنية.
الاحتراق الوظيفي خلف الستار
على عكس تعريف منظمة الصحة العالمية للاحتراق الوظيفي الذي يتسم بانخفاض الكفاءة، فإن "الموظف الموثوق" يظل منتجاً حتى اللحظة الأخيرة. هو يعيش في فجوة بين تجربة داخلية مليئة بالضيق وتشاؤم متزايد، وبين سلوك خارجي يوافق على كل مهمة جديدة خوفاً من اهتزاز صورته، فيأتي "القبول" قبل أن يتمكن عقله من صياغة "الرفض".
علامات الإنذار وبداية التعافي
يبدأ الانهيار بـ "استياء خفيف" تجاه الزملاء، وينتهي بنوبات بكاء غير مبررة أو فقدان الشغف بالأشياء الممتعة. ويؤكد الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في تعلم قول "لا"، بل في بناء "ذات" لا تنهار قيمتها عندما تتوقف عن الإنتاج. التعافي الحقيقي يبدأ بإدراك الفرق بين "ما نفعله" وبين "من نحن" في لحظات السكون.
نصيحة للمديرين: توقفوا عن المديح الزائد!
يوجه التقرير نصيحة هامة للمديرين: إذا لاحظت موظفاً يتحمل أكثر من طاقته، فإن الإشادة المستمرة بـ "موثوقيته" تزيد من الضغط عليه (تزيد الطين بلة). وبدلاً من ذلك، يجب على الإدارة التدخل استباقياً لتخفيف الأعباء عنه، وتشجيعه على الاعتراض عندما يتجاوز العمل قدراته، والتأكيد على أن قيمته للمؤسسة لا تتوقف على حل "المشاكل الطارئة" فحسب.