بين التأهيل والاندثار.. مطالبات بحماية التراث المعماري والهوية التاريخية لمدينة دهوك
أربيل (كوردستان24)- في الوقت الذي تهدف فيه أعمال التوسعة والتأهيل في سوق دهوك القديم إلى تحديث البنية التحتية وتنشيط الحركة التجارية، يرى مؤرخون وكسبة محليون أن هذه الخطوات تسببت في طمس جزء من المعالم المعمارية والتاريخية التي تميز هوية المدينة القديمة، وسط مطالبات بفرض معايير صارمة للحفاظ على ما تبقى من الشواهد التراثية.
ذكريات تندثر تحت البلاط والطلاء الحديث
يعبر عبد المجيد أحمد، المهنة كاسب، الذي قضى جُلّ عمره في أزقة السوق القديم، عن حزنه لغياب الملامح التاريخية للمنطقة قائلاً:
"لم تعد هناك أي معالم من الماضي هنا. هذا المكان كان يمثل 'سوق الحدادين'، كما أن المنطقة الواقعة أسفل الشارع كانت موغلة في القدم. وللأسف، لم يتبقَ من هوية دهوك القديمة أي أثر يُذكر بعد أن غطت أعمال الطلاء والسيراميك الحديثة على معالم ذكرياتنا".
وفي سياق متصل، يستذكر أهالي دهوك بحسرة اختفاء معالم تراثية شهيرة شكلت جزءاً من ذاكرة المدينة اليومية، مثل "خان الحدادين"، وموقع "يوسف باته"، و"خان يَلْدَيِي" (خان يلدائي)، نتيجة غياب التخطيط الموجه لحماية الطابع المعماري القديم أثناء عمليات التحديث.
نقد أكاديمي لآليات التأهيل
ينتقد المتخصصون الأكاديميون غياب الترميم العلمي الممنهج للمباني القديمة واستبدالها بمواد بناء حديثة. وفي هذا الصدد، يوضح الأستاذ الجامعي والمؤرخ، د. فرست مرعي:
"المباني القديمة لا ينبغي هدمها أو إزالتها، بل يجب أن تخضع لعمليات ترميم دقيقة تحافظ على طينها وحجرها الأصلي. للأسف، ما جرى هو إزالتها بالكامل ووضع البلاط (الكاشي) والإسمنت مكانها. في دهوك تحديداً، لم يتبقَ أي طابع مميز قديم في السوق بعد أن طالت الإزالة كل شيء تقريباً".
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الأسلوب في التعامل مع المباني القديمة يهدد بالقضاء على الهوية البصرية والتاريخية للمدينة، مما يستدعي إصدار لوائح فنية صارمة تمنع تشويه الواجهات التراثية المتبقية.
حماية قانونية متأخرة وثغرات التشريعات القديمة
من جهتها، تقر الجهات الأثرية في المحافظة بأن غياب القوانين الرادعة في العقود السابقة أسهم في خسارة الكثير من البيوت والمواقع التراثية.
ويوضح مدير عام الآثار في دهوك، د. بيكاس بريفكاني، هذا الجانب قائلاً: "في الفترات السابقة، لم يحظَ هذا الملف بالاهتمام الكافي، ولم تكن هناك تشريعات واضحة تحمي المنازل التراثية والأثرية من الهدم والتغيير. لكن لحسن الحظ، بعد صدور القانون رقم 9 لعام 2021 الخاص بالآثار والتراث في إقليم كوردستان، شهدنا زيادة ملحوظة في الاهتمام بهذه المواقع؛ ولا سيما مع توجه التشكيلة الحكومية التاسعة التي أولت رعاية خاصة لحماية الأماكن الأثرية وترميمها بطرق علمية".
وتُصنف دهوك كواحدة من أقدم مدن المنطقة، حيث تضم مئات المواقع الأثرية التي يمتد تاريخها لقرون طويلة، لعل أبرزها آثار "جبل زاوا" التي يعود تاريخها إلى نحو 60 ألف عام، وتضم شواهد توثق نمط حياة إنسان "النياندرتال"، مما يجعل الحفاظ على تراثها المعماري مسؤولية تاريخية وثقافية كبرى.
تقرير: جكدار جمال - كوردستان24 - دهوك