12 عاماً على إبادة سنجار: الجراح لم تندمل بعد والأوضاع تعصف بالإيزيديين
اربيل (كوردستان24) - بمناسبة الذكرى الثانية عشرة للفاجعة والأليم الذي ألمّ بالكورد الإيزيديين على يد تنظيم "داعش" الإرهابي في الثالث من آب/أغسطس 2014، يسلط هذا اللقاء الضوء على تداعيات هذه الجريمة، ومصير آلاف النازحين والمختطفين، بالإضافة إلى آفاق حل ملف (شنكال)، سنجار الشائك والتحديات الأستراتيجية التي تحول دون عودة الحياة الطبيعية للمنطقة. نستضيف في هذا الحوار الدكتور خلف شنكالي، مستشار رئيس مجلس الوزراء العراقي للشؤون الإيزيدية، للحوار حول الدور الحكومي والإقليمي والدولي في التعامل مع ملف الإبادة الجماعية واتفاقية سنجار.
نص الحوار:
جهود حكومة إقليم كوردستان والدعم الدولي
ژينۆ محمد: أهلاً بكم من جديد. نواصل معكم الحديث عن محور في غاية الأهمية؛ فاليوم تصادف الذكرى الـ12 للإبادة الجماعية بحق الكورد الإيزيديين. وعلى الرغم من مرور كل هذه السنوات، إلا أن الجراح لم تندمل بعد. نتساءل: متى تطبق الأوضاع في سنجار؟ ما هو مصير المختطفين والمفقودين حتى الآن؟ وإلى أين يتجه مصير النازحين القابعين في 15 مخيماً؟ كما نتساءل عن اتفاقية أربيل وبغداد الموقعة في تشرين الأول 2020 بشأن سنجار؛ هل نُفّذت بنودها أم ظلت حبراً على ورق؟ نناقش كل هذه المحاور مع ضيفنا في الاستوديو، الدكتور خلف شنكالي، مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الإيزيدية. أهلاً بك دكتور.
د. خلف شنكالي: شكراً جزيلاً لكِ، وشكراً على الاستضافة.
ژينۆ محمد: أهلاً بك. لنبدأ من جهود حكومة إقليم كوردستان حتى الآن في ملف إبادة سنجار؛ كيف تنظرون إليها؟ هل قدمت شيئاً ملموساً؟
د. خلف شنكالي: بالتأكيد، كما تعلمين، نمر اليوم بالذكرى الأليمة للإبادة التي شنها داعش في 3 آب 2014، حيث استُشهد الآلاف، وخُطفت آلاف النساء والفتيات، ونزح مئات الآلاف باتجاه إقليم كوردستان. وإجابةً على سؤالكِ، فقد أُقيم اليوم مؤتمر خاص بتوجيه ورعاية من رئيس حكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني حول إبادة الإيزيديين. يصب هذا في محور تعريف المجتمع الدولي بهذه الجريمة، بحضور ممثلي الأمم المتحدة والقناصل والسفراء الأجانب إلى جانب وزير الخارجية الاتحادي. لقد لعبت حكومة الإقليم دوراً كبيراً في التعريف بهذه الجريمة دولياً، فضلاً عن إيواء النازحين طوال هذه السنوات. نتقدم بالشكر لحكومة وشعب كردستان، وخاصة أهالي دهوك وزاخو الذين فتحوا أبوابهم للنازحين طوال 12 عاماً.
ژينۆ محمد: ولكن، هل ما قُدّم حتى الآن يرتقي إلى حجم الجريمة التي ارتكبت؟
د. خلف شنكالي: تحدث رئيس حكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني اليوم عن المطالبة السابقة بإنشاء محكمة خاصة لمقاضاة المتورطين على أساس جرائم الإبادة الجماعية، إلا أن الحكومة الاتحادية في ذلك الوقت لم تبدِ الموافقة. بالتأكيد، عند مقارنة ما قُدّم بحجم الكارثة المهول، لا يمكن القول إننا قدمنا كل شيء، لكن ضمن الإمكانيات المتاحة، استمرت حكومة الإقليم على المستوى الدولي والوطني في الدعم والعمل على النقاط الأساسية كملفي النازحين والمختطفين.
الاعتراف بالإبادة الجماعية وتعويض الضحايا
ژينۆ محمد: هل هذه الخطوات كانت مجرد وعود وشعارات سنوية أم تُرجمت إلى أفعال على الأرض؟
د. خلف شنكالي: الكارثة كانت ضخمة جداً، ولذلك عندما تُتخذ خطوات إيجابية، يظل هناك احتياج كبير. أرى أن الأمر يتطلب قيام الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي وحكومة الإقليم معاً بمعالجة القضية. الآلاف لا يزالون مفقودين أو تحت قبضة داعش، ومئات الآلاف في المخيمات. رئيس حكومة الإقليم شدد اليوم على تقديم المساعدة المشتركة، ودعا بغداد والمجتمع الدولي ورئيس الوزراء العراقي للعمل معاً لحل ملف سنجار وعدم الاكتفاء بالمؤتمرات الاستذكارية.
ژينۆ محمد: من المعني بسد هذه الفجوة؛ حكومة الإقليم أم الحكومة الاتحادية أم المجتمع الدولي؟
د. خلف شنكالي: مشكلة سنجار بعد الإبادة أصبحت مشكلة مركبة ولا تقع على عاتق طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف المعنية.
ژينۆ محمد: بصراحتك كمواطن كوردي إيزيدي ومستشار لرئيس الوزراء، هل كان المجتمع الدولي بمستوى المسؤولية أم أظهر تقصيراً؟
د. خلف شنكالي: يمكن تقسيم ذلك إلى مراحل؛ في بداية 2014، لعب التحالف الدولي دوراً ممتازاً في ضرب داعش وتحرير المناطق بالتعاون مع البيشمركة والقوات الاتحادية. كما أن دولاً مثل ألمانيا وبريطانيا وأمريكا اعترفت بالإبادة. ولكن لماذا أركز على المجتمع الدولي؟ لأن عناصر داعش جاءوا من أكثر من 50 دولة حول العالم، ودمروا منازلنا؛ لذا فإن على هذه الدول واجباً أخلاقياً وإنسانياً كبيراً لمساعدة الإيزيديين ومنع تكرار هذه الفكر الإرهابي.
التشريعات العراقية وقانون الجرائم الدولية
ژينۆ محمد: دكتور، لماذا لم يُعترف بهذه الجريمة كإبادة جماعية على نطاق عالمي كامل حتى الآن؟ وهل صحيح أن العراق يتهرب من هذا الاعتراف تجنباً لتبعات التعويضات المالية؟
د. خلف شنكالي: البرلمان هو الجهة التشريعية المعنية بإصدار القوانين. وهناك مسؤولية إنسانية وقانونية حتمية لتعويض الضحايا مادياً ومعنوياً وتكريمهم عبر قانون خاص بالإبادة الجماعية على مستوى البرلمان العراقي.
ژينۆ محمد: ما الذي تُعدّونه حالياً في مجلس الوزراء العراقي لإقرار هذا القانون؟
د. خلف شنكالي: نعمل حالياً في الحكومة على "مشروع قانون الجرائم الدولية" (مكافحة الجرائم الدولية)، والذي يشمل جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. القانون أُعد في مكتب رئيس الوزراء وأُرسل إلى مجلس الدولة وتمت مناقشته بحضور ممثلي ورعاة حكومة إقليم كوردستان. وهو الآن لدى الأمانة العامة لمجلس الوزراء ليُعرض قريباً على مجلس الوزراء ويرفع للبرلمان للمصادقة عليه.
أهمية هذا القانون تكمن في أن عناصر داعش الذين يُجلبون من سوريا يُحاكمون حالياً وفق "قانون الإرهاب" فقط وليس وفق "قانون جرائم الإبادة الجماعية". كما اقترحنا إنشاء صندوق خاص داخل هذا القانون لتعويض الناجين والضحايا الإيزيديين.
اتفاقية سنجار والعوائق الأمنية
ژينۆ محمد: بالانتقال إلى اتفاقية سنجار الموقعة في تشرين الأول 2020 بين أربيل وبغداد، لماذا لم تُنفذ حتى الآن؟ هل الحكومة الاتحادية مقصرة؟
د. خلف شنكالي: اتفاقية سنجار تتضمن ثلاثة محاور رئيسية: المحور الأمني، والمحور الإداري، ومحور إعادة الإعمار. في المحور الأمني تم اتخاذ بعض الخطوات مثل تعيين 2500 شخص من أبناء سنجار كشرطة محلية، لكنه لم يكتمل. أما المحور الإداري، فلم يتم حتى الآن تعيين قائمقام أو إدارة شرعية جديدة لسنجار، وبدون وجود إدارة شرعية لا يمكن تنفيذ المحور الثالث الخاص بالإعمار. هذا التعطيل ألحق ضرراً كبيراً بالأهالي.
ژينۆ محمد: هل وجود الجماعات المسلحة غير القانونية وحزب العمال الكوردستاني (PKK) هو السبب الرئيس لعدم التنفيذ؟
د. خلف شنكالي: بالتأكيد، وجود قوات خارجة عن القانون وتعدد الفصائل المسلحة داخل سنجار يعد سبباً رئيسياً يعيق تنفيذ الاتفاقية. عندما يرى المواطن الإيزيدي النازح تعدد القوى المسلحة وغياب الإدارة الشرعية، يتملكه الخوف من تكرار المأساة، فيتردد في العودة. الحكومة الاتحادية تتحمل مسؤولية إبعاد هذه القوات وإعادة الملف الأمني للقوات الرسمية وأبناء المنطقة.
أزمة النازحين وملف المختطفين
أكثر من 120 ألف نازح إيزيدي يمتنعون عن العودة بسبب الصراع المسلح وغياب الخدمات
ژينۆ محمد: هناك أكثر من 120 ألف نازح إيزيدي في 15 مخيماً بإقليم كردستان. لماذا لا يعودون بعد 12 عاماً؟ هل السبب أمني فقط أم خدمي أيضاً؟
د. خلف شنكالي: الأسباب متعددة:
الجانب الأمني: الخوف من وجود الجماعات المسلحة غير القانونية.
الجانب الخدمي: مدينة سنجار وقراها مدمرة بنسبة كبيرة؛ المنازل، المدارس، المستشفيات، والبنى التحتية للمياه والكهرباء معدومة.
الجانب النفسي والاجتماعي: هناك جثث ورفاة لم تُنبش مقابرها الجماعية ولم تُحدد هوية أصحابها بعد. لا يمكن مطالبة الناس بالعودة دون توفير بيئة آمنة وخدمات أساسية.
ژينۆ محمد: وماذا عن ملف المختطفين الإيزيديين؟ كم عدد الذين تم إنقاذهم وكم المتبقي منهم؟
د. خلف شنكالي: بحسب الإحصائيات الرسمية، بلغ عدد المختطفين 6417 شخصاً (نساء، أطفال، رجال). وبجهود حكومة إقليم كوردستان ومكتب إنقاذ المختطفين التابع للسيد نيجيرفان بارزاني، تم تحرير نحو 3570 شخصاً. ولكن للأسف، لا يزال مصير نحو 2600 إلى 2700 شخص مجهولاً حتى اللحظة.
مشروع قانون الجرائم الدولية أمام مجلس الوزراء العراقي لتجريم أفعال "داعش" كإبادة جماعية وتعويض الضحايا
ژينۆ محمد: أين يتواجد هؤلاء المتبقون؟
د. خلف شنكالي: تفيـد المعلومات بأن جزءاً منهم موجود في مخيم الهول بسوريا حيث تعيش عوائل داعش، والبعض الآخر لدى عوائل الداعشيين في مناطق أخرى بسوريا أو حتى داخل العراق. هذا الملف يتطلب جهداً دولياً وإقليمياً عاجلاً بالتنسيق بين بغداد وأربيل.
ژينۆ محمد: في الختام دكتور، هل لدى حكومة السيد علي الزيدي برنامج واضح لإعادة الاستقرار إلى سنجار وإنهاء هذه المعاناة؟
د. خلف شنكالي: رئيس الوزراء السيد علي الزيدي يولي اهتماماً كبيراً بهذا الملف. ويتضمن المنهاج الوزاري للحكومة نصاً صريحاً على تطبيـق الأوضاع في سنجار، وإعادة النازحين، وتطبيق اتفاقية سنجار. نحن على تواصل مستمر معه لتخصيص ميزانية لإعادة إعمار سنجار وتفعيل صندوق تعويض الضحايا. ولكن كما ذكرت، الحل يتطلب التنسيق والعمل المشترك بين بغداد وأربيل والأطراف الدولية لإعادة الأمن والكرامة لأهالي سنجار.
ژينۆ محمد: الدكتور خلف شنكالي، مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الإيزيدية، شكراً جزيلاً لحضورك معنا ولما تفضلت به من معلومات.
د. خلف شنكالي: شكراً لكِ السيدة ژينۆ على هذه الاستضافة.