قبل أن يُلقّب بـ"القيصر".. وثيقة تاريخية تروي قصة المعلم الشاب كاظم الساهر في قرى عقرة
أربيل (كوردستان 24)- لم يكن يدور في خلد السبعيني الكوردي، صادق طاهر قرتاس، أن الامضاء البسيط الموقّع على بطاقة هويته الشخصية قبل ما يزيد على أربعة عقود، سيكون لواحد من أشهر قامات الغناء في العالم العربي. تلك البطاقة، التي لا يزال يحتفظ بها بعناية كوثيقة تثبت مشاركته في الحملة الوطنية لمحو الأمية، تحمل توقيع معلّمه الشاب آنذاك "كاظم الساهر".
في باحة منزله بقرية "بيناتا" التابعة لناحية "كردسين" في قضاء عقرة بمحافظة دهوك، يجلس الحاج صادق (75 عاماً) مرتدياً زيه الكوردي التقليدي، مستذكراً الأيام الأولى لوصول ذلك المعلم العربي الشاب الذي غيّر ملامح الحياة التعليمية والثقافية في القرية النائية أواخر السبعينيات.

مدرسة من طين واستقبال دافئ
يعود قرتاس بذاكرته إلى عام 1978، ويقول: "أخبرنا مدير الناحية في ذلك الوقت بأنه سيوفر لنا معلماً إذا قمنا ببناء مدرسة. لم نكن نملك حينها سوى البيوت الطينية، لكننا تكاتفنا وبنينا مدرسة متواضعة من غرفتين من الطابوق الطيني؛ خصصنا إحداهما كصف دراسي، والأخرى للإدارة ومبيت المعلم".
ويضيف وهو يتصفح هويته القديمة: "بعد إكمال البناء، تفاجأنا في أحد الأيام بوصول شاب عربي نحيل وصغير السن، أخبرنا بأنه معلم القرية الجديد. رحبنا به بحفاوة واصطحبناه إلى المدرسة، حيث بادر فوراً بطلب تسجيل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين خمس وسبع سنوات، وكانوا قرابة 15 طفلاً، وبدأ بتدريسهم".

أوتار العود في ليالي الجبل
لم يكن الفلاح البسيط صادق قرتاس، ولا بقية أهالي القرية، يدركون أن هذا الشاب الخجول يحمل في داخله مشروع فنان كبير. ويروي قرتاس تفاصيل تلك المرحلة قائلاً: "كنا نناديه باسمه الأول (كاظم) ولم نكن نعرف له لقباً آخر. بعد زيارته الأولى لبلدته، عاد ومعه آلة موسيقية غريبة لم نكن نعرفها، اتضح لاحقاً أنها (العود). كان يعزف عليها باستمرار في غرفته ليلاً، ويدرب صوته على الغناء. لم نكن نفهم الكلمات لأنه كان يغني باللغة العربية، لكننا كنا نستشعر جمال ألحانه".
وتابع مستذكراً خصال الساهر الشاب: "كان شخصاً خجولاً ومهذباً للغاية، نادراً ما يخرج من المدرسة لعدم معرفته بالمنطقة. وبسبب قلة الخدمات، كنا نتناوب كأهالي قرية على إعداد الطعام له وزيارته لئلا يشعر بالغربة. لقد كان شاباً أنيقاً ودمث الخلق، وتعامل برقيّ كبير مع الأطفال والأهالي".

المنزل الذي سكن فيه كاظم الساهر عندما كان معلما في قرية كربيش
قانون محو الأمية.. و"مفارقة القطة والفئران"
في العام نفسه الذي وصل فيه الساهر إلى القرية (1978)، أصدرت الحكومة العراقية القانون رقم 92 الخاص بالحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية الإلزامي. وبموجب القانون، تعين على المعلمين تقديم دروس مسائية للبالغين من رجال ونساء القرية.
يقول قرتاس: "أبلغنا المعلم كاظم بضرورة الالتحاق بالدروس المسائية. وبالفعل، تمكنت من اجتياز الدورة بنجاح، ومنحني هويتي الرسمية الموقعة باسمه بصفته مديراً لمركز محو الأمية في القرية".
ولا تفتقر ذكريات أهالي القرية مع الساهر من الطرائف الإنسانية؛ إذ يروي قرتاس ضاحكاً: "كانت منازلنا القديمة مبنية من الطين، ومأوى للفئران. اشتكى لنا كاظم ذات يوم من أنه لا يستطيع النوم بسبب إزعاج الفئران، وطلب منا قطة لحل المشكلة. جلبنا له واحدة، وبدأ يطعمها من حصته الغذائية لكي تحميه. لكنه لم يكن يعلم أن القط الشبعان لا يصطاد الفئران؛ فما كان من القطة إلا أن صادقت الفئران وبدأت تلعب معها في غرفته، وهو ما تندر به معنا لاحقاً".

مسيرة الساهر: من فصول الدراسة إلى منصات الشهرة
أمضى كاظم الساهر نحو عامين في قرية "بيناتا"، انتقل بعدها للتدريس في قرية "كربيش" التابعة لناحية دينارتة، ثم إلى قرية "كيلة سبي"، قبل أن يتم استدعاؤه للخدمة العسكرية عام 1983 مع اشتداد الحرب العراقية الإيرانية.
وُلد كاظم جبار السامرائي (كاظم الساهر) في مدينة الموصل عام 1957 لأسرة بسيطة، ونشأ على شغف كبير بالموسيقى والشعر.
تخرج في معهد المعلمين وعمل مدرساً للتاريخ والموسيقى في عدة قرى. ثم التحق لاحقاً بمعهد الدراسات الموسيقية في بغداد لتطوير موهبته الأكاديمية.
انطلقت مسيرته الفنية الفعلية في أواخر الثمانينيات بأغنيات لاقت صدى محلياً، قبل أن يحقق انتشاراً عربياً واسعاً في التسعينيات بفضل تعاونه مع كبار الشعراء، وفي مقدمتهم الشاعر السوري نزار قباني، ليُلقب لاحقاً بـ"قيصر الغناء العربي" ويصبح واحداً من أبرز قامات الفن العربي المعاصر.
اليوم، ورغم زوال المدرسة الطينية القديمة وتغير ملامح الزمن، لا تزال قرية "بيناتا" تحتفظ في وجدانها وصورها القديمة بذكريات ذلك المعلم الشاب الذي مرّ من هنا صامتاً، وترك خلفه أثراً من علم وموسيقى لا يمحوه الزمن.
تقریر: عبدالحمید زیباری – كوردستان24

